الجمعة 14 محرم 1444ﻫ 12-8-2022م

أثر الوقف في المجتمع

أمست ولا زالت أوقافُ المعروفِ مصدرًا ثجَّاجًا بالرَّحمات، ويَنبوعًا سكوبًا بالبركات، وسَلسالاً ما أعذبه بالخيرات، فكم رَفَت الأوقافُ عَوَزَ المملِقين وشفت، ورأبت صدعَ المفؤودين وكفت، وآست سقام المتَطبِّبين وعفَت، كم مِن أسرٍ وأفراد [حرقتهم] الفاقةُ أعادَت الأوقاف لهم النضارةَ، وكستهم حُلل العيش الكريم بجدارةٍ، دون ملالَة أو خدش للمشاعر والكرامة  (1)  إنه مقتضى قوله: “إن مما يلحق المؤمنَ من عمله وحسناته بعد موته علمًا علّمه ونشره، أو ولدًا صالحًا تركه، أو مصحفًا ورَّثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقةً أخرجها من ماله في صحّته وحياته تلحَقه من بعد موته” أخرجه ابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه.

فأول وقف في الإسلام هو مسجد قباء الذي أسسه الرسول الكریم عند قدومه مهاجراً إلى المدینة المنورة قبل أن یدخلها ویستقر بها ، ثم المسجد النبوي الشریف بالمدینة ، وعلیه فإن الوقف من خصائص الإسلام، قال الإمام النووي: ” وهو ما اختص به المسلمون”.

فقد جاء عن عثمان رضي الله عنه، أن النبي صلى الله علیه وسلم قدم المدینة ولیس بها ماء یستعذب غیر بئر رومة، فقال من یشتري بئر رومة فیجعل فیها دلوه مع دلاء المسلمین بخیر له منها في الجنة، فاشتریتها من صلب مالي، وقد بادر أبو طلحة إلى الإنفاق لما سمع قوله عزوجل : ” لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ” ، وقال یا رسول الله إني سمعت دعوة الله للإنفاق، وإن أحب أموالي إلي (بیرحاء) وإنها صدقة لله تعالى ،  ثم تتابعت الأوقاف والحبوس حتى عم خیرها كل العالم الإسلامي، وكل مجالات الحیاة الإسلامیة كما ساهمت الأوقاف الخیریة في تنمیة التعلیم ، سواء في داخل المساجد أو في مدارس مستقلة منفصلة ، وإن أغلب فقهاء المسلمین وعلماء دینهم تخرجوا من مدارس هیأتها لهم أوقاف المحسنین من المسلمین، وكانت هناك مدارس تقوم مقام الجامعات، تدرس فیها جمیع المذاهب الإسلامیة، إضافة إلى العلوم الأخرى ، و منها المدرسة الصالحیة بمصر، والمدرسة الظاهریة في القاهرة، والمدرسة المسعودیة ببغداد و غيرها كثير ، وأوقف المسلمون دوراً وأراضي لصالح علاج المرضى، كما أوقفوا الوقوف الواسعة على انشاء المستشفیات ،  كما أوقفوا بسخاء على تطور الطب والصیدلة والعلوم الأخرى المرتبطة بالطب، ومن الشواهد التاریخیة على ذلك، تلك الأوقاف التي رصدت للبیمارستان المنصوري الذي أنشئ سنة 682ه، لعلاج كل المسلمین، وقد وصف ابن بطوطة هذا المستشفى الكبیر بأنه یعجز الوصف عن محاسنه ، كما ساهمت الأوقاف في تحقیق التنمیة الاقتصادیة للمجتمع الإسلامي، وذلك بما تمثله من رأس مال عیني ونقدي، وبما تتمیز به من وجوب البقاء والإستثمار ودوام النفع للمجتمع، وللأوقاف آثار اقتصادیة غیر مباشرة منها :بعض مظاهر الخدمات والتسهیلات التي قدمتها الأوقاف لتسهیل وتشجیع التجارة الداخلیة، فمن ذلك إقامة أحواض المیاه المخصصة للدواب، وأسبلة المیاه المخصصة للإنسان، والتي تقع على طریق تجاریة هامة، قدمتها الأوقاف كخدمة إنسانیة مجانیة، وكان لها أثر هام في رواج النشاط الاقتصادي. وهناك ألوان من الأوقاف عجیبة تدل على الحساسیة المرهفة، وعلى الرقي الإجتماعي الذي بلغته الأمة الإسلامیة، منها وقف دمشق على الحیوان الهرم لیرعى في أرض الوقف حتى یموت، ووقف في مصر على الأواني التي یكسرها الخدم لتقدیم بدیل عنها، لكي لا یتعرضوا لملامة أو إیذاء، ووقف في تونس على مؤن المرضى وعلاجهم، ووقف على علاج المرضى نفسیاً، ونستطیع أن نقول دون مبالغة أن الوقف قد مول معظم فروع الحیاة الإسلامیة، إن لم یكن كلها، ما أحوجنا هذه الأیام إلى جهود الأغنیاء المحسنین لإحیاء هذا الواجب الدیني لإعمار البلاد ورد الأمل للعباد، فإن الوقف یبقي الأجر لصاحبه إلى أن یرث الله الأرض ومن علیها، ما دام أن المسلمین ینتفعون منه مع بقاء عینه، ویحرم بیع الوقف العیني لأنه حبس العین وتسبیل المنفعة، وهو یشكل مظلة واسعة تتسع لأعداد لا حصر لها من الأفراد والجماعات والأسر وطلاب العلم، كما أنه یعد رافداً حیویاً متجدداً للأمة الإسلامیة، وما دام أن المال لله فكل ما یقدمه المسلم یكون له منارة خیر ومصباح هدایة في الدنیا والآخر.(2)

(1)الشيخ.د  عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس.

(2) أ.د  محمد أحمد القضاة