الجمعة 14 محرم 1444ﻫ 12-8-2022م

فضل الوقف

إن من فضل الله على عباده أن فتح لهم أبواب القربات ، ودلهم على سبل الطاعات ، وأخبرهم بما يكون لهم ذخراً بعد الممات ، وأمرهم بفعل الخيرات فقال تعالى: {وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} ، و قال تعالى: {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ}،وقال تعالى: {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} ،وقال تعالى:{الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: أنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ، وقالَ: يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لا تَغِيضُها نَفَقَةٌ سَحّاءُ اللَّيْلَ والنَّهارَ، وقالَ: أرَأَيْتُمْ ما أنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّماءَ والأرْضَ، فإنَّه لَمْ يَغِضْ ما في يَدِهِ، وكانَ عَرْشُهُ علَى الماءِ، وبِيَدِهِ المِيزانُ يَخْفِضُ ويَرْفَعُ) وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ” كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانتْ مُسْتَقْبِلَةَ المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيّب ” ، قال أنس: ” فلما نزلت هذه الآية: { لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ } قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ” إن الله يقول في كتابه: { لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ } وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو بِرَّها وذُخْرَها عند الله، فضعْها يا رسول الله حيث شئت ” ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( بخ ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، قد سمعت ما قلت فيها، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين، فقسمها أَبُو طلحة في أقاربه وبني عمه) ، فمن فضل الله ومنته على المسلم بأن أعماله لا تنقطع بعد موته وخروجه من الدنيا بل هناك أعمالاً تجري حسناتها له بعد وفاته قال صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابن آدم انقطع عملها إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) رواه مسلم ، وقد شرع الله تبارك وتعالى الوقف وندب إليه وجعله قربة من القرب التي يتقرب بها إليه، ففي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته، بعد موته، علماً نشره، وولداً صالحاً تركه، ومصحفاً ورَّثه، ومسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، تلحقه بعد موته ) رواه ابن ماجة وحسنه الألباني .

و في زمننا الحاضر فإن كثير من الناس لا يعرفون إلا الشيء القليل عن الوقف ومنافعه وآثاره وأبوابه وكثرة أجره، فأصبح الوقف سنة مهجورة إلا فيما يتعلق ببناء المساجد ويفوت عليهم أفضل أنواع الصدقة وأنفعها وأكثرها أجراً وهو الوقف ، فعلى المسلم إحياء سنّة الأوقاف الحميدة، وفقَ المقاصد المتجسِّدَة الرّشيدة، وإمعانِ النظر في مصالحها، واعتبارِ مناجِحها، والتعريفِ بِعظيم أثَرِها على رَفاه الأفراد وتنميةِ المجتمعات، وعظيمِ ذخرها في الحياة وبعد الممات ، وأن لا يستقلَّ ما يوقِفه في الخير ولو كان سَهمًا واحدًا يرجو برَّه وذخره عند الله .